سيد محمد طنطاوي
78
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقال : * ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ، إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ، وإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . . . ) * . والظرف « إذ » متعلق بقوله * ( أَعْلَمُ ) * والأجنة : جمع جنين ، ويطلق على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه منها . وسمى بذلك ، لأنه يكون مستترا في داخل الرحم ، كما قال - تعالى - : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ . . « 1 » . أي : هو - سبحانه - أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض ، ضمن خلقه لأبيكم آدم ، ومن وقت أن كنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، يعلم أطواركم فيها ، ويرعاكم برحمته ، إلى أن تنفصلوا عنها . وقال - سبحانه - * ( فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) * مع أن الجنين لا يكون إلا في بطن أمه ، للتذكير برعايته - تعالى - لهم ، وهم في تلك الأطوار المختلفة من وقت العلوق إلى حين الولادة ، وللحض على مداومة شكره وطاعته . وقوله - تعالى - : * ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ) * تحذير من التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس ، والفاء للتفريع على ما تقدم . أي : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم ، فإن ذلك بسبب سعة رحمتي ، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة ، بل اشكروني على سعة رحمتي ومغفرتي ، فإني أنا العليم بسائر أحوالكم ، الخبير بالظواهر والبواطن للأتقياء والأشقياء . قالوا : والآية نزلت في قوم من المؤمنين ، كانوا يعملون أعمالا حسنة ، ثم يتفاخرون بها . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ . . . ) * أي فلا تنسبوها إلى زكاء العمل ، زيادة الخير . وعمل الطاعات ، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي ، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم اللَّه الزكي منكم والتقى أولا وآخرا ، قبل أن يخرجكم من صلب آدم ، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم . وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء ، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح ، من اللَّه وبتوفيقه وتأييده . ولم يقصد به التمدح ، لم يكن من المزكين لأنفسهم ، لأن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر للَّه - تعالى - « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الزمر الآية 6 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 23 .